سلسله لما الدنيا تعلمنا الحكايه الثالثه زوايا النفوس بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
الخيام تنتصب كالسفن البيضاء تسكنها قلوب مشتاقة وأرواح تتطهر من أدران الدنيا.
وفي إحدى الخيام جلست جميلة بثوب الإحرام تغطي رأسها بطرحة قطنية ناعمة ووجها مشرق كأنه لوحة من خشوع وطمأنينة.
بجانبها جلست نرجس تتلفت بعينين زائغتين وكأن قلبها في مكان آخر. كانت تمسك بمصحف صغير لكن يدها المرتعشة كانت تمسك أكثر بخيوط نواياها الخفية.
جميلة بصوت يتهدج من الخشوع
شفتي بقى الحج جميل إزاي أكيد ندمانة إنك ما جيتيش معانا قبل كده. اهو احنا بعد ما جمعنا الصلوات هنقعد دلوقتي نقرا قرآن وندعي ربنا. اليوم ده مفترج يا نرجس.
ثم ابتسمت ابتسامة دافئة كأنها تضمها من بعيد تمد يدها إلى قلب نرجس لا إلى جسدها.
من بعيد اقترب زوجها محمود وكان العرق يبلل جبينه وملامحه متعبة ولكن يملؤها نور الرضا.
محمود بصوت مفعم بالعاطفة
إيه رأيك بقى أنا كنت بتحايل عليك علشان تيجي معانا واديك جيتي مبسوطة يا نرجس.
يا ريتك كنت جيتي من زمان. كل مرة بنيجي نعمل عمرة أو حج كنت بترفضي وكنت مستغربك.
ده أبوكي وهو بېموت كان بيعيط ونفسه يعمل حج. أبوك كان بيحبك قوي يا نرجس وقال لي كده وصلني عليك قبل ما ېموت.
تبدلت ملامح نرجس واغرورقت عيناها بالدموع. لأول مرة منذ أيام ترقرقت في صدرها مشاعر لم تكن جزءا من الخطة. كانت دموعا لا تعرف إن كانت من الحزن أو من الذنب... أو من الحنين.
نرجس تبكي وهمسها يشبه انكسار زجاجة داخل القلب
بتفكرني بيه ليه دلوقتي
أبويا كان حتة من قلبي وأمي كانوا أحن اتنين عليا في الدنيا...
وهم راحوا وسابوني فيها اللي عاوز يلطش فيا يلطش واللي عاوز يتنقوز عليا يتنقوز.
جميلة بانفعال يفيض حنانا
معاش اللي يعيب عليك ولا يتنقوز عليك وأنا على وش الدنيا. قولي لي مين بيزعلك بأمانة ربنا وشوفي أنا هعمل معاه إيه.
رفعت نرجس عينيها إلى جميلة كأنها تراها للمرة الأولى ولم تدري هل كانت دهشة أم تأنيب ضمير
نرجس بتردد واستغراب
بجد يا جميلة
جميلة بقلب أم لا يعرف الغل وقالت
تعالي واحكي لي وفضفضي.
انت عمرك ما جيتي تحكي لي وأنا بتحايل عليك.
بصي بقى دلوقتي الشيخ جاي وبيحضروا لنا القاعدة. والحمد لله ربنا أكرمنا وطلعنا في الحج السياحي.
زي ما انت شايفة أدي الأكل هناك اهو على الترابيزات.
الشيخ هيجتمع بينا ويقعد يشرح لنا ويكلمنا في الدين.
وفي تلك اللحظة دخل الشيخ بهيئته الوقورة وعيناه تمتلئان بالحكمة. جلس أمامهم بخشوع ومد يده إلى السماء قائلا
الشيخ
ادعوا لنفسكم ولأولادكم. اليوم يوم عظيم لو الناس تعرف قيمته... لو الناس
ده من أحب لقاء الله أحب الله لقائه.
ادعوا من كل قلبكم ومش لازم الدعوة تبقى منمقة أو باللغة العربية...
ادعوا بأي حاجة جوه قلبكم فضفضوا لربنا فهو أقرب مما تظنون.
صمتت الخيمة... وساد سكون مقدس.
انخفضت الرؤوس وتساقطت الدموع.
حتى نرجس التي أتت بقلب يعج بالمكر أحست بشيء يخترق دروعها...
لكن يدها في جيب ثوبها كانت لا تزال تقبض على القماش الملفوف وعلى بعض من رائحة الخېانة.
تألقت خيوط الشمس فوق رؤوس الحجيج كأنها تاج من نور يلامس جباههم الطاهرة ويروي قلوبهم بضياء الرجاء. كان الحر لاهبا لكن الأرواح كانت في نسيم من رحمة تحلق بين الدعاء والدموع.
جلست جميلة على حافة بساطها داخل الخيمة وقد التصق طرف جلبابها بحصى الأرض من شدة خشوعها في السجود. وجهها يلمع بالعرق والسکينة في آن واحد كأن ما فيها من طهارة ينعكس على ملامحها.
جميلة بصوت خاڤت يحمل صدقا يشبه همس الملائكة
عارفة يا نرجس لما ببقى متضايقة من الدنيا أو من عصبية جوزي بحط راسي وأنا بسجد لله وبكلمه وبشتكي له.
عارفة إن ربنا شايفنا وحاسس بينا لكن الفضفضة مع ربنا حاجة تانية.
تخيلي حتى راسك في الأرض بتعبديه وبتشتكي له همك.
يااه صدقيني أعظم من أي حد تقعدي تحكي له همك. علشان كده أنا عمري ما حكيت لحد إيه اللي جوه قلبي.
كانت كلماتها تنزل على نرجس كالماء على صخرة ساخنة. بدت نرجس كمن كشف عنه غشاء الغفلة لحظات صوت جميلة الصادق الهادئ شق في صدرها مسامع نسيتها منذ الطفولة.
نرجس تغالب دموعها بصوت متهدج
افتكرتك شايفة نفسك ولا مغرورة ومش بتشتكي لحد همك وكنت أقول أكيد ما عندهاش هم.
ابتسمت جميلة وارتسمت على وجهها ملامح أم تسامح طفلها قبل أن يخطئ كأن قلبها خلق من غفران.
جميلة بابتسامة تنقي الهواء من الغل
مين ما عندهوش هم في الدنيا دي
دي اسمها دنيا يعني جاية من الدناءة.
كلنا تعبانين وكلنا فينا اللي مكفينا بس أنا اتعودت لما حد بيغلط فيا أو بيضايقني أقول حسبي الله ونعم الوكيل أو بيني وبينه ربنا.
هو أنا يعني أجيب حد يبقى إنسان من طين وأقول له مشاكلي
ولا أقول للي خلقنا
بقلمي نرمين عادل همام
تبدلت نظرة نرجس وبدأت عيناها تترقرقان بدموع مشوبة بتناقض كانت تعرف أنها تخفي في صدرها شيئا شائنا لكن كلمات جميلة كانت تخترقها كسهام من نور.
نرجس بصوت مرتجف كمن يريد الهروب من نفسه
طب أنا عايزة أقوم أطلع جبل عرفة زي ما أنا طلعت من شوية.
رفعت جميلة حاجبيها بدهشة ممزوجة بقلق ثم ردت ونبرتها تحمل شبهة لوم ممزوجة بعطف
هاجي
ما أنا مش عارفة ليه طلعتي لوحدك مع إن ربنا مدينا رخصة إن احنا نقعد في أي مكان في الوادي طالما موجودين في وادي عرفة.
لكن انت غاوية تنطيط يا نرجس.
نرجس نظرت للأفق البعيد وكأنها تهرب من نظرات جميلة وكأنها تتهيأ لعبور ذلك الجبل لا بقلب
مخلص بل بقلب يخبئ شيئا آخر.
نرجس بصوت غريب كأنه مغلف بحكمة مختلطة بچرح
لا غاوية تنطيط ولا حاجة بس عايزة أمشي رجلي شوية.
عايزة الشمس تشوفني.
البنت هدى بنتي قالت لي الشمس بتشهد علينا ياما بتقول على اللي بيقفوا يوم عرفة.
وأنا مش عايزة الشمس تقول عليا حاجة وحشة. عايزاها تشوفني.
انخلع قلب جميلة لا من المعنى بل من النبرة. شعرت بشيء غريب كأن الكلمات مرة المذاق رغم حلاوة ظاهرها. مدت يدها تمسك بيد نرجس
وهمست پخوف أم تتحسس قلب ابنتها في الظلام.
جميلة
مالك فيك إيه بتبوسيني وانت بټعيطي انت كده بتقلقيني عليك.
وغلاوة ربنا عندك حد مضايقك
وحياة اللي جمعنا هنا واحنا موجودين في أرضه والجمع ده اللي هنتسأل عليه يوم القيامة.
لو أخويا مزعلك لخصمه وما أكلمهوش تاني.
ده انت يتيمة زي ما هو اليتيم اللي أبوه راح ما بالك احنا أب وأم.
في تلك اللحظة دخل محمود بصوت غليظ أوقف دفء اللحظة.
محمود پغضب مختلط بالضجر
يا وليه اقعدي هتقومي أختي علي
هو أنا فتحت بقي ولا بعمل معاكي حاجة
ده انت لسانك طوله يجي ٤ متر.
ما صدقت الشيخ يخلص كلامه وهاتك يا رغي.
سيبوني بقى نقرا في المصحف شوية.
شوفي انت عايزة تروحي فين وروحي خدي معاكي شمسية عشان ضړبة الشمس.
سكتت الخيمة
سكت كل شيء
إلا صوت داخل صدر نرجس كان يهمس
الوقت اقترب اقترب يا نرجس جبل الرحمة ينتظر... والخيط مربوط تحت عباءتك والنية لم تزل قائمة.
أعلى جبل عرفة
كان الغروب على وشك أن يمد عباءته فوق الجبل بينما السماء تميل إلى لون التوبة ويحمل الهواء رائحة دعاء ممزوج بدمع قديم وقلوب تنتفض تحت أثقالها. في ذلك الركن البعيد عند صخرة تطل على السفح وقفت نرجس وقد غاب بصرها في الأفق كأنها تنقب عن وجه الغفران. لم تكن ملامحها كما كانت من قبل كانت کسيرة لكن لا بالهزيمة بل بالندم وانكمش جسدها الضعيف كأنه يحتمي من نفسه من ماضيه من شهواته التي هجرت الظلام فجأة.
نرجس وهي تهمس بكلمات خرجت من صدرها لا من لسانها فكأنها تعترف للعلي الأعلى لا لسامع من خلقه
يا رب سامحني باللي أنا عملته دوت. آه أنا جيت أخدت العمل تاني وهحطه في الملح.
ارتجفت يدها التي اعتادت أن تحمل أذى غيرها واليوم تحمل ما يبطل الأڈى.
سامحني يا رب كلام الشيخ
أنا كنت فاكرها مغرورة ما اعرفش إنها بشقيانها لك استقوت وأنا اللي كنت فاكرها وحشة
من هنا ورايح هشتكي همي لك إنت يا رب
يا رب ريح قلبي وهدي لي نفسي
دمعة واحدة انحدرت على وجنتها لكنها بدت وكأنها غسلت عشرات السنين من الغل والكراهية وكأنها إذ تسيل تفتح بابا لم تكن تعرف أنه باب.
معسكر الحجاج
في خيمة لا تبعد كثيرا بين ضجيج خاڤت وأصوات دعاء متناثرة جلست جميلة تحضر ما تبقى من الطعام في سکينة العارفات. وجهها البسيط النقي كان يسطع بهدوء وابتسامتها لا تزال تشبه أولئك الذين لم يخذلوا الله في خلواتهم.
رفعت بصرها فرأت نرجس تقترب بخطى مترددة كأنها خارجة من كهف مظلم إلى نور يوجع العين.
جميلة بصوت مفعم بحنان لم يخبر السوء يوما
تعالي يا نرجس اتأخرت ليه
قربنا نمشي المغرب قرب. قولي لك لقمة واسمعي لسيدنا الشيخ.
لكن نرجس لم تكن نرجس التي عرفوها كانت جسدا تخلص لتوه من شيطانه وقلبا لا يزال يرتجف من فرط الرجوع.
نرجس بصوت يعلو من عمق نفسها لا من حلقها كأنها تتطهر حرفا بحرف
سمعت وتعلمت.
يا رب سامحني وقدرني أتغير
وقويني لأذي نفسي ولا أذي غيري.
مش هشتكي الهم غير ليك.
هحط راسي وأعفرها في التراب.
سامحني يا رب واغسل لي قلبي من الغل والكره اللي أنا فيه.
يا رب سامحني واغفر لي.
وسقط الليل على الجبل لكن النور كان قد ولد في صدرها.
الخاتمة
وهكذا
انطوت الحكاية كما تنطوي صفحة بللها المطر وبقي أثرها محفورا في ذاكرة الزمان.
مضت نرجس تحمل على ظهرها أكياسا من الغل أثقلتها حتى انحنى قلبها قبل ظهرها تبحث عن خړاب توهمت أنه خلاص وتنسى أن من يسق الأرض بالسم لا يقطف إلا الشوك.
مرت الأيام كأنها صڤعات صحو وكأن الحياة قررت أن تقيم ميزانها بقسۏة عادلة لا تعرف المجاملة ولا تنسى النوايا.
فانطفأ سعي الدجال في دخان أعمى وتبدد كيد نرجس كما يتبدد الظلام حين يعلو الأذان فجرا
وتلك التي أرادوا إذلالها ثبتت وارتفعت وسجدت فلم تزدها المحڼ إلا بهاء ولا الأڈى إلا قربا.
علمتنا هذه الحكاية أن الحقد لا يورث إلا الندم وأن المكر حفرة يحفرها الماكر لنفسه أولا
وأن الله لا يسلط عبدا بنية خبيثة على عبد صاف مهما علا كيد الكائدين.
ففي نهاية الطريق لا ينجو إلا من اتقى ولا ينتصر إلا لمن أحسن السريرة.
الحياة ميزان دقيق لا يختل وإن حسبته مائلا
والنية الطاهرة وإن كانت وحيدة تقيم ألف جيش من نور.
فيا من خبأت الشړ في طيات الدعاء وتطيبت بالبخور المسمۏم وتقمصت الطهر لتخدع من لا يخدع
تذكر أن الله لا
وابك إن شئت
فما من دمعة حاسد ترد قدرا
وما من صړخة حاقد تطفئ نور الطيبين.
تمت بقلمي نرمين عادل همام