سلسله لما الدنيا تعلمنا الحكايه الثالثه زوايا النفوس بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
من ابنتها وقالت بصوت متهدج يجمع بين الحزن والزيف
نرجس بحسرة مغلفة بتهكم
حتى انت يا واطية يا اللي طلعت بيكي من الدنيا. بصي لعمتك كأنها مثلك الأعلى! ده حتى بيقولوا اقلب القدرة على فمها تطلع البنت لأمها مش تطلع لعمتها يا موكوسة يا بنت الموكسه! منظرها على إيه يا بت هي وعدتك تديكي حاجة
تنهدت هدى ثم جلست إلى جوارها وهي تحاول أن تحتفظ بهدوئها في مواجهة عاصفة الأم. كانت كلماتها كأنها صدى ضمير لا يريد أن ينطفئ.
هدى
وعدتني إيه بس يا ماما كل اللي فيه إني بحكي مع عقلي وشايفة عمتي ست كويسة. يا ريت نطلع زيها. عارفة في كل حاجة في الطبيخ أستاذة في اللبس بتقول لي ألبس إشارة إيه ولونها إيه مع لبس إيه. عارفة يا ماما امبارح قالت لي إيه
لم تجب نرجس بل مدت يدها إلى طبق عنب وضعته جميلة في يدها أثناء خروجها وكأنها تتذوق منه حلاوة تتعارض مع ما تنفثه من مرارة.
نرجس
قولي يا أختي واديني ببلع كلامك بطبق العنب ده اللي اديته لي وأنا طالعة.
ضحكت هدى بخفة وقد أدركت تناقض أمها دون أن تنكر لها الطيبة التي تطل برأسها رغم قسۏتها.
هدى بتنهيدة فيها رضا وحنين
يعني مدياكي طبق عنب وطالعة بتتكلمي عليها ومتغيظة منها والنبي يا ماما ده انت حكاية! لولا إني عارفة إنك قلبك أبيض كنت زعلت منك. عموما هقول لك. امبارح كنت بسألها ألبس إيه قالت لي شوفي ربنا ومخلوقات ربنا. ما فهمتش.
نرجس وقد ارتفعت نبرتها بنفاد صبر ممزوج باستنكار
يعني إيه كلامها يعني إيه شوفي مخلوقات ربنا ما احنا شايفينها ليل ونهار قدامنا.
قالتها وهي تلوح بيدها في الهواء كأنها تطرد فكرة سخيفة أو تدفع عن عقلها أمرا لا تطيق تصديقه. كانت كمن ېخاف أن يعترف بأن في الأخرى ما لا تملكه هي فتكابر عن الفهم وتلجأ للسخرية.
هدى وقد رفعت رأسها وابتسمت بهدوء كأن ذكرى جميلة انتشلتها من ثقل اللحظة
أنا كنت مستغربة كده يا ماما قالت لي ادخلي على النت واكتبي طيور برية هتلاقي أشكال وألوان.
وقعدت جنبي يا ماما وجابت لي من على تليفونها أشكال الطيور الملونة. قالت لي شوفي الطيور دي ألوان ريشها إزاي وشكلي لبسك على نفس ألوانها صدقيني هتطلعي في قمة الشياكة أصل ما فيش أحسن من خلق ربنا.
قالت كلماتها بصفاء نابع من القلب ونظراتها تلمع بصدق الإعجاب. كانت تروي حديث عمتها كما يروي طفل حكاية ساحرة قبل النوم وفي عينيها امتنان مبهم لمن أشعل بداخلها شيئا يشبه النور.
أما نرجس فاستدارت برأسها إلى الجهة الأخرى من السرير وضغطت بيد مرتعشة على صدغيها كأن الصداع يزحف بثقل الأيام فوق رأسها ثم مدت يدها نحو الدرج وسحبت شريط الحبوب.
نرجس بصوت خاڤت متعب فيه من المرارة أكثر مما فيه من المړض
أنا تعبت والضغط علي. هاخد حباية الضغط وأغور من شكلك وأحط راسي على المخدة وأنام. ولما ييجي الشملوله أبوكي بعد ما يكون عدى على الست أخته عشان تدعي له دعوتين حلوين تبقي
قالتها وهي تبتلع الحبة بجرعة من الماء البارد ثم تنهدت تنهيدة طويلة كأنها تلقي على الوسادة ثقل اليوم كله وترحل عن الساحة دون إعلان. كانت كلمتها الأخيرة تحمل من الغيرة أكثر مما تحمل من التعب ومن الانكسار أكثر مما تحمل من الدعاء.
بقلمي نرمين عادل همام
اليوم الثاني وببيت الدجال
وفي الزاوية جلس الدجال يراقب زائرته بعينين نصف مغمضتين كأن فيهما يقينا بالعالم وما خفي منه.
دخلت نرجس بخطى مترددة لكنها مشبعة بالڠضب حقيبة يدها مضغوطة تحت ذراعها وصوت أنفاسها يكشف عن قلب مضطرب لا يعرف السکينة.
نرجس وقد وقفت أمامه بشيء من الجرأة المصطنعة في عينيها مزيج من اليأس والاحتراق وشفتيها تلتهمان الهواء كمن يوشك أن ينفجر
اديني جيت لك في الميعاد ومعايا سبعة آلاف جنيه. خلص اللي جابه أهلي لأني زهقت... وخاېفة أعمل فيها مصېبة أروح فيها في كلبوش. خلص نفسك وشوف شغلك وإلا هروح لغيرك وإنتوا على قفا من يشيل!
حدق فيها الدجال مليا فرأى في نبرتها نغمة امرأة دفعتها الحياة إلى أقصى حافة تتعلق بآخر خيط حتى وإن كان موصولا بالشيطان. ابتسم بسخرية خفية وكأن ټهديدها زاده نشوة لا خوفا.
الدجال وهو يميل بجسده نحوها تنفث أنفاسه رائحة أعشاب فاسدة وفي صوته نغمة كسل مريب
بتتكلمي كده ليه يا نرجس مش خاېفة أؤذيكي
أطلقت ضحكة قصيرة مكسوة بالمرارة ثم ألقت بجسدها على المقعد وكأنها تنوء بثقل عمر من القهر وانفلتت كلماتها من فمها كأنها تطعن بها الهواء.
نرجس وهي تغلق عينيها لحظة ثم تفتحهما بعينين زائغتين تتمايل كأنها تعيد تمثيل ذكرى محفوفة بالهوس
تؤذيني ده أنا بشوفهم بيرقصوا قصادي! عارف ما بيجيليش مزاج كده غير وأنا قاعدة لوحدي وأشغل من على النت أغاني هزار وأفضل أتميل كده وأجي كده... انت عارف ساعتها مودي بيبقى حلو.
ضحك الدجال بصوت أجش ضحكة تنتمي لعالم لا يعرف الطهر ثم مال برأسه قليلا وقد لمع في عينيه بريق فكرة شريرة.
الدجال وهو يشير بيده في الهواء كمن يصطاد فكرة من ظلام
طيب يا أم مودي حلو... فكرت لك في فكرة ما فيش زيها بس تجيبي لي شعرها. شعرة حتى من اللي واقعين في الأرض... ما هو كل الستات على السجاد شعرهم موجود.
أومأت برأسها بسرعة في عينيها لمعة انتصار لحظي وكأنها وجدت الثغرة التي تنتظرها منذ زمن.
نرجس بنبرة لاهثة تشي بحماس مريض
أيوه ده أنا عندي السجاد مليان شعر!
زم شفتيه ضجرا ثم أشار لها بيده أن تصمت كأنه يصحح لها الفهم.
الدجال ببرود متعمد
أنا مالي ومالك! أنا بقول عليها هي... تقومي بالواجب معاها وتجيبي الشعر.
وحاجة كمان انت مش بتقولي إن جوزك ناوي يطلع الحج هو وأهله
هزت كتفيها في لا مبالاة لكن صوتها كان محشوا بالخذلان يحاول إخفاء حنقها على زوج يقسم الحياة للجميع وينسى صاحبة البيت.
نرجس بنبرة شجن ساخر تخللتها سخرية حزينة
أيوه قال... وقال لي تيجي تطلعي معانا هنحجز
ما انت عارف جوزي عنده محلات بتاعة أبوه وهو اللي بيباشرها...
والخيبة والحسړة إنه بيدي لإخواته نصيبهم ما بيقولش أنا واقف وبتعب ولا بيشيل لنفسه حاجة زيادة.
لا ويقول لي ده حق ربنا زي ما أختي قالت لي.
تنهد الرجل بقلة صبر كمن ضاق صدره بتفاصيل لا تهمه ومد يده ببطء نحو المال الذي وضع أمامه عيناه تتفحصانه كما لو كان جسد الضحېة بين يديه.
الدجال وهو يبتسم ابتسامة صفراء تحمل بين طياتها الجشع
خلصيني بقى وافهمي... بطلي شكيان. عرفنا إنها مضايقاكي في عيشتك.
وعلى فكرة أنا ما يهمنيش هي عاملة لك إيه ولا انت عايزة تخلصي منها ليه...
أهم حاجة عندي الفلوس الحلوة دي اللي انت حطيتيهم لي في حجري.
يمد ساقيه تحت ستار من الظل وأصابعه تعبث بخرز باهت اللون وكأنها تنصت لأصوات لا يسمعها سواه. وعلى المقعد المقابل له كانت نرجس تلك المرأة التي احترق صدرها من الحقد حتى بات لا يسع غير الكراهية تجلس متشنجة القسمات وشفاهها تلهث بتوتر كأنها تخشى أن يفر منها الوقت أو أن يفلت انتقامها قبل أن يكتمل.
نرجس وقد انفرجت شفتاها عن حديث يخرج مغلفا بالاستهانة تتكلم كمن يسرد تفصيلا لا يعنيه لكن قلبها يتقافز من فرط الترقب
أيوه هيطلعوا... وكمان حاجزين مع واحد قريبهم. وبيقولوا إن الحجة هناك آخر جمال أصلهم طلعوا معاه من يجي كده ست سنين فاتت.
رفع الدجال رأسه قليلا نظر إليها بعين فيها دهاء متربص ثم مال للأمام كمن يلقي بورقة أخيرة في لعبة قڈرة.
الدجال بصوت رخيم لكنه خادع كمن يغزل خيوط مكر ناعم
المرة دي عايزك بقى انت تطلعي.
بقلمي نرمين عادل همام
ارتبكت قسمات نرجس لوهلة عبست حاجباها ثم ارتفعت كتفيها استنكارا وتقلص فمها في نصف ابتسامة ساخرة بينما تدفقت الكلمات من فمها وكأنها تسخر من المعقول ذاته.
نرجس وهي تضحك ضحكة قصيرة تخفي خلفها استغرابا متلبسا بالرفض
أطلع حج ليه بقى إن شاء الله أنا هقعد هنا علشان خاطر الدبيحة أكون واقفة عليها. ولا عاوز الجزار ياكلنا ولا العمال ياخدوا كتير واللحمة تضيع علينا.
أطلق الدجال صوتا بين الضحك والتأفف ثم أشار لها بيده كأنها طفلة لا تدرك ما يخطط له الكبار. عيناه أضاءتا بلحظة إلهام مريبة وكأن الفكرة التي يحملها لا تنتمي لهذا العالم.
الدجال بلهجة حاسمة يقطر في كلامه سخرية وتعال
يا ولية بطلي رمامة! المرة دي اللحمة هتروح فين
ده أنتم عندكم شيء وشويات وبدل العجل الواحد تقدروا تجيبوا عشرة.
المرة دي تطلعي معاهم الحج.
وانت فوق على جبل عرفات في هناك فوق خالص حاجة كده اسمها ڼصب الشيطان.
ظهر الذهول على وجه نرجس أمالت رقبتها قليلا وكأنها تحاول استيعاب كلمة سمعتها لأول مرة وارتجف صوتها بما يشبه الاستهزاء المغلف بالفضول.
نرجس بصوت حائر تقطعه الدهشة
ڼصب إيه يا أخويا الشيطان!
ارتسم على وجه الدجال ابتسامة من يعرف ما لا يعرفه الآخرون ثم تنهد ببطء كأنما يضيق ذرعا
الدجال وقد حدق بها بعين فيها زجر وتعال كمن يلقي دروسا في الطاعة
على فكرة مش واجبي إني أقعد أشرح لك.
لما تتهببي
على عينك وتطلعي على جبل عرفات هتطلعي فوق وهتلاقي صخور عند العمود ده اللي في النص.
طالما انت مش فاهمة اسمه في شقوق...
حطي الحاجة اللي هجهزها لك هناك.
وبكده هنقدر عليها وهنكسرها وهترجع من الحج ندمانة إنها طلعته أصلا.
ظلت نرجس تحدق فيه كمن تنقب عن الكذب في نبرة رجل يمتهن التمثيل لكنها كانت في لحظة من حياتها تعلق أملها حتى على الوهم إن كان يوصلها إلى ما تشتهي من خړاب.
نرجس وهي تميل بجسدها للأمام عيناها تضيقان ونبرتها ممزوجة بالشك واللهفة
بجد ولا بتضحك عليا
أقسم الدجال وفي عينيه بريق حماسة شيطانية كأنه على وشك الانتصار في حرب لا تخصه لكنها ترضي شهوته في السيطرة.
الدجال وهو يضرب الأرض براحة يده بنغمة يقين مرعب
بجد الجد كمان!
هترجع عيانة وهتزحف بعد كده على رجليها والكل هيقول رحلة الحج كانت جامدة عليها.
وحياة أسيادي اللي ما بحلف بيهم باطل لاخلي اللي ماشي في الشارع يشم ريحة عفنتها.
قهقهت نرجس وانفرج فمها عن ابتسامة ملوثة بالسواد ثم نظرت إلى معصمها حيث تتلألأ أساور ذهبها ورفعت يدها كأنها تبرم اتفاقا مقدسا مع الشيطان ذاته.
نرجس والضحكة تتراقص على شفتيها نبرتها تحمل وعدا مغلفا بالټهديد
تعرف لو ده حصل أول ما هرجع من الحج هديك جوز غوايش من اللي في إيدي دول زيادة على حقك اللي انت أخدته ده.
وكمان هجيب لك خروف وكل أول شهر ليك مني خروف كمان...
بس اللي انت قلته ده يتنفذ غير كده مش هتشوف مني حاجة.
دخلت نرجس بخطى متوترة تحمل في عينيها قلقا مستترا خلف ستار من الحماس المصطنع. كانت تحاول أن تخفي اضطرابها الداخلي وكأنها تسابق الوقت لتخفي ما يعتمل في صدرها من نوايا لا تعرف النور. جلست في صدر المجلس وبدت مترددة للحظة ثم دفعت بصوتها نحو جميلة وقد تقافز من بين شفتيها وكأنه يطلب موافقة على أمر لم يكن من شأنها في السابق.
نرجس بنبرة متعجلة ټخنقها خشية أن يغلق الباب أمامها
اديني قلت لك بقى أنا عايزة أطلع معاكم الحج وأخوك قلت له الكلام في التليفون زعق لي وقال لي انت عاملة زي العيال الصغيرة شباطة.
وأنا قلت له الحاجات كلها ممكن أجيبها في ظرف ساعتين الهدوم يعني.
أما جميلة فرفعت رأسها بهدوء فيه حكمة سنوات طويلة من الصبر كانت تنظر إلى نرجس كما تنظر الأم لطفلة مشاغبة تعلن رغبة فجائية. وعلى ملامحها تراقصت دهشة لطيفة امتزجت بابتسامة فيها شيء من الحذر.
جميلة بنغمة رقيقة فيها حنو وتحفظ
طب السفر أوعي يكون مدته خلصت.
تقاطعت الحيرة بالثقة في عيني نرجس ثم ارتفع صوتها وهي تلوح بيديها كمن يود طمأنة الآخرين بأنه يعرف ما يفعل حتى لو لم يكن كذلك.
نرجس وقد حاولت أن تظهر تماسكها
لا لا جواز السفر بتاعي شغال ولسه في سنتين من ساعة ما كنت عند أخويا
وكمان قبل ما أكلم أخوك اتصلت بالشيخ محمود قريبكم ده صاحب مكتب السفريات.
ابتسمت جميلة