سلسله لما الدنيا تعلمنا الحكايه الثالثه زوايا النفوس بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
برفق وهزت رأسها إعجابا بحرص نرجس رغم انفعالها ثم ألقت نبرة ساخرة على الكلام لتكسر الجدية التي بدأت تخيم على الأجواء.
جميلة وهي تضحك بصوت دافئ يشبه غفوة النسيم
أيوه الحاج محمود مطوف يعني هو بيعلمنا إزاي نطوف وإيه مناسك الحج أو العمرة.
مين ما بنطلع معاه وإحنا واثقين فيه. وبيحجز لنا في فنادق قريبة من الكعبة.
وكمان السنة دي بإذن الله هيقعدنا في خيام مكيفة في وادي عرفة.
شهقت نرجس وانكمش وجهها كأنها تلقت صڤعة غير متوقعة. انطلقت الكلمات من فمها بعفوية لكنها حملت بين طياتها جهلا ټصارع مع ڠضب داخلي من انكشافه.
نرجس بدهشة شديدة ووجه مفعم بالاستنكار
يعني إيه يعني انتم مش هتطلعوا الجبل
ده حتى كده يبقى حرام وحجتكم ربنا ما يقبلهاش!
قهقهت جميلة ضاحكة لا من سخرية بل من بعد المسافة بين الفهم الحقيقي وبين ما ترسب في عقل نرجس من مفاهيم مغلوطة ثم انحنت قليلا للأمام كمن يريد أن يزيح الغشاوة عن عين طفل.
جميلة بشرح صبور لا يخلو من عتاب لطيف
لا اللي انت عايزاه لك قعدة بقى.
الواحد يفهمك كويس إيه حكايتك
هو انت ما تعرفيش حاجة
كده يا نرجس يا أختي الحج عرفة وطبعا الناس كلها عارفة كده.
لكن عرفة ده مش اسم الجبل بس ده اسم الوادي اسمه وادي عرفة.
يعني أي حد في الوادي يبقى كده وقف عرفة فهمتي
ارتبكت نرجس وانخفض صوتها كأنها تخشى أن يسمع ضعفها. نظرت في عيني جميلة ثم أشاحت بوجهها وألقت الكلمات بعصبية تمزج بين الدفاع والاعتراف.
نرجس متلعثمة تحاول الاحتفاظ بكرامتها
بصي بقول لك إيه بطلي حتة انت فاهمة ومش فاهمة.
وأنا يا أختي كان مين هيقول لي
تنهدت جميلة وهي تضع يدها فوق الأخرى ثم قالت بصوت خاڤت فيه رجع ذكريات وأخوة وحب ممزوج بالحسړة. كانت تحدثها كمن يذكرها بأصلها النبيل الذي ضاع في زحمة الحياة.
جميلة بحنان الأخوات وصدق من يريد الإصلاح
أنا ياما قلت وعلى فكرة بقيت أخواتي ومراتهم عارفين المواضيع دي.
إشمعنى انت وبنتك عارفة وجوزك كمان.
ويوم الخميس اللي فات بعد صلاة العشاء لما ناديت عليكم وكنت محضرة لكم حلويات قعدت أشرح لكم.
وعلى فكرة أنا بشرح للعيال الصغيرة وعلشان ما حدش يزعل منهم بقول للكل.
رفعت نرجس بصرها أخيرا وكأن شيئا داخليا بدأ يلين. لم تظهر ضعفا لكنها سلمت ببعض الهزيمة. أرادت فقط أن تكون موجودة أن تمضي مع الركب لعلها تجد لنفسها غفرانا أو اڼتقاما لم تحدد بعد.
نرجس بصوت هادئ لكن فيه ضيق خفي
خلاص أنا طالعة معاكم. فاضل لي الهدوم.
قولي لي أجيبها منين
والشرح بقى تبقي تشرحي لي هناك.
أو أقول لك أنا هبقى ماشية جنبكم منين مطروح ولا تعملوا هعمل زيكم.
ابتسمت جميلة ابتسامة دافئة تشبه شمسا في آخر الشتاء ثم نظرت إليها بنظرة أم أكثر منها أخت فيها عزاء واحتواء وفي صوتها نبض رحيم يعانق القلب.
جميلة بكلمات صادقة تهدهد القسۏة في قلب نرجس
عارفة يا نرجس مع إن كلامك بينزل علينا زي الكرباج
لكن أنا عارفة إن قلبك طيب ومعدنك حلو.
أبوك وأمك كانوا
استحالة بذرتهم تبقى وحشة.
ساد لحظة من الصمت بعد كلمات جميلة لم يكن كأي صمت بل كان صمتا ثقيلا فيه طنين الذكريات القديمة كأن الأرواح الراحلة مرت من بينهما تربت على الأكتاف وتذكر بالأصل. كانت نرجس قد غرست عينيها في الأرض ترتجف أناملها بخفة بينما شفتيها تهمسان بأسماء لا تنسى. حين تكلمت خرج صوتها كأنه ناي مكسور يحاول أن يعزف شيئا من الحنين المكبوت.
نرجس بنبرة اختلط فيها الدفء بالحزن والعناد بالضعف الإنساني
كفاية ما تزوديش كلام على أبويا وأمي.
مش عارفة لما جبت سيرتهم دلوقتي حسيت إن في كهرباء لمست في جسمي.
مش عارفة ليه أبويا وأمي وحشوني.
ارتخت ملامح جميلة أمام هذا الاعتراف المباغت وشعرت للحظة أنها أمام قلب مكسور يبحث عن مأوى. رمقت أختها بنظرة لا تحمل شفقة بل تفيض بمودة حقيقية وحنين إلى من رحلوا وتركوا خلفهم ندوبا ناعمة على الأرواح. اقتربت منها قليلا وكأنها تطوقها بهدوء الحب.
جميلة بصوت رخيم
يشبه همس الطمأنينة في صدر الليل
هتروحي الحج وهتدعي لهم والدعوات هتوصل لهم.
وعلى فكرة اللي ما تعرفيهوش أو يمكن تكوني عارفاه
إن المتوفين بيشوفونا وبيحسوا بينا يا نرجس.
ادعي لهم طول ما انت قاعدة.
اتسعت عينا نرجس قليلا وكأنها تلقت خبرا مفاجئا لم تهيئ له قلبها. صعد القلق إلى وجهها ومالت برأسها جانبا تبحث في الكلمات عن شيء يسكن الخۏف الذي استيقظ فيها بغتة.
نرجس پخوف طفيف يخبئه الفضول
يعني إيه بيشوفونا
مش فاهمة كلامك فسريه.
زفرت جميلة بهدوء كما تفعل الأمهات حين يضطررن لشرح ما لا يشرح ثم استقامت في جلستها وأجابت بصبر يليق بمن يملك سکينة الداخل.
جميلة بثقة نابعة من الإيمان وعينين تنظران إلى ما وراء الدنيا
كلامي مفسر يعني هم بيشوفونا وبيحسوا بينا لكن إحنا لا.
فهمتي أقول إيه تاني يا حبيبتي
أي دعوة بتوصل لهم
ولو كنت مسافرة في آخر بلاد الدنيا وأبوك مدفون هنا
لو دعيتي له وقريتي له جزء من القرآن وهبتي له ثوابه هيوصل له.
الرسول قال ابنه صالح يدعو له.
هنا لم تحتمل نرجس أكثر من ذلك. كانت الكلمات تطرق بابا مؤجلا في قلبها منذ سنوات بابا خلفه صور لأب وأم لم تطفأ ذكراهم قط. غامت عيناها بدموع حائرة ترددت بين النزول والبقاء لكنها أبت أن تظهر ضعفها فنهضت فجأة كأنها تهرب من نفسها وتكلمت بسرعة تحتمي فيها من الاڼهيار.
نرجس بنبرة تخفي فيها البكاء تحت قناع العملية
كفاية كلام مش عايزة أعيط.
يلا قومي البسي وننزل نجيب الهدوم بتاعة الحج.
جيبي لي كل حاجة أوعي تنسي حاجة.
نهضت جميلة ببطء لكنها لم ترد بل اكتفت بالنظر إلى أختها نظرة طويلة حنونة تعرف أن وراء الصلابة خوفا ووراء الاندفاع قلبا تائها يفتش عن معنى. مضت الاثنتان نحو الاستعداد ولكن كانت خطواتهما مثقلة بما لا يقال... وحجة هذا العام لم تكن ككل الأعوام.
في قلب السوق الشعبي حيث الألوان تتداخل مع الروائح وصوت البائعين يتعالى كأنهم جوقة بشړية تعزف لحنا صاخبا للحياة
نرجس كانت تحمل في يدها ورقة مطوية كتبت عليها حاجياتها كمن يكتب وصية عاجلة. عيناها تتنقلان بين الأكشاك وقلبها يخفق بقلق لا يفهمه إلا من عاش غربة الروح. حين وقفت أمام محل للملابس نظرت إلى البائع دون مقدمات.
نرجس بلهجة حاسمة تخفي اضطرابها
عايزة طقم إحرام كويس حاجة قطن ما تلهبش الجسم وشيليني من اللي فيه زخارف ولا حركات أنا رايحة حج مش فرح!
نظر إليها البائع مبتسما رجل في أواخر الخمسين يبدو أنه اعتاد على زبائن السوق وأمزجتهم المتقلبة فرد عليها بصوت مطمئن
البائع
على عيني يا حاجة عندنا أطقم ممتازة قطن مصري ناعم وكمان في منهم بمقاسات مختلفة. تفضلي شوفي بعينك.
أشارت نرجس إلى أحد الأطقم ثم أمسكت بثوبه بين أصابعها كمن يختبر شيئا لا يريد أن يخطئ فيه. وفي تلك اللحظة تقدمت جميلة كانت عيناها تتفحص لا الثياب بل أختها. لاحظت رعشة بسيطة في يديها ونبرة صوتها التي تخفي شيئا أكبر من مجرد شراء ثوب.
جميلة بلطف وابتسامة خفيفة
نرجس ما تشتريش بعجلة خدي وقتك. الحاجة دي مش بس لبس دي نية وراحة وستر.
توقفت نرجس عن الحركة كأن الكلمات اخترقت شيئا داخلها. ثم التفتت إليها بعينين تلمعان بدمعة عالقة لم تكمل طريقها.
نرجس بصوت خفيض مليء بالتردد
هو أنا... أنا أصلا لابسة ليه أنا رايحة ليه مش عارفة. كل حاجة ماشية بسرعة وأنا مش لاقية نفسي.
اقتربت منها جميلة وضعت يدها على كتفها بلطف أموي وهمست في أذنها كما تفعل الأخت الكبرى حين ترى الطفلة داخل شقيقتها ترتجف
جميلة
رايحة علشان قلبك يرتاح. علشان تبكي هناك زي ما ما بتقدريش تبكي هنا.
رايحة علشان تقولي له كل اللي ما حدش سمعه منك.
وأكتر من ده رايحة علشان ترجعي نرجس اللي زمان... اللي ما كانتش محتاجة تستخبى في الڠضب ولا الكلام الچارح.
بقلمي نرمين عادل همام
تأملت نرجس وجهها لحظة ثم هزت رأسها ببطء كأنها تستسلم لصدق لم تعد تقدر على مقاومته. ثم عادت تنظر إلى الثياب واختارت طقما أبيض بسيطا بلا تطريز ناعم كأنه صفحة جديدة. دفعت ثمنه ثم التفتت إلى جميلة بابتسامة صغيرة لم تكمل ضحكتها لكنها قالت الكثير.
نرجس بخفة مرة تحاول كسر الجو
ماشي خلصنا من اللبس فاضل الشبشب.
بس لو طلع الشبشب ديق والله ما هسكت!
ضحكت جميلة ضحكة صافية خرجت من القلب ثم أمسكت بيد أختها وسارتا معا نحو محل الأحذية تمشيان وسط الزحام لكن ما بين أيديهما كان دفء عائلة بدأت تلتئم وشوق إلى طريق طويل اسمه الرجوع للنفس.
في بيت نرجس وبين جدرانه التي شربت من صدى صړاخها سنين وهدأت حينا بأنفاسها المتعبة كان المساء ينزل على الحي كستارة حريرية تمهد لما هو أعمق من العادة. الغرفة التي لم تعرف النظام طويلا امتلأت فجأة بأكياس من المحال وثياب مطوية وشبشب أبيض موضوع بعناية بجانب الحقيبة.
جلست نرجس القرفصاء على الأرض وأمامها
من بعيد وقفت جميلة عند باب الغرفة تحمل بين يديها عبوة صغيرة من الكريم وعلبة أدوية وابتسامة دافئة تزين ملامحها. دخلت بخطى هادئة وجلست بجانب أختها.
جميلة وهي تمد يدها بالحاجيات
خدي دي الكريمات اللي وصيتي عليها ودي أدوية المعدة اللي قالت عليها أم صابر أصل هناك الأكل مختلف.
نرجس بصوت منخفض دون أن ترفع عينها
هو أنا مش مصدقة إني طالعة... كنت دايما أقول مش هيناديني واللي زيي ملوش مكان في الأماكن دي.
بس الظاهر ربنا سكت لي يمكن علشان يسامحني يمكن...
انزلقت دمعة من عينيها سريعة خفيفة كأنها لا تريد أن تفضح هشاشتها. مدت جميلة يدها ومسحت الدمعة قبل أن تكتمل رحلتها على الخد.
جميلة بلحن أمومي
ربنا ما بيسكتش يا نرجس هو بس بيستنى اللحظة اللي يرجع فيها العبد من غير عناد.
يمكن أنت طول عمرك بتزعلي وټصرخي وتغضبي بس قلبك فيه خير... وأنا عارفة ده.
السفر ده هيبقى بداية مش هروب فاهمة
رفعت نرجس عينيها نحو أختها ثم ابتسمت ابتسامة مرتجفة
في بهو البيت قبيل الفجر كانت الحقائب مصطفة كجنود تستعد للرحيل. هواء الفجر يداعب الستائر وصوت الأذان يتسلل من بعيد كنداء سرمدي.
جميلة كانت ترتب حجابها أمام المرآة بينما تنظر بين الفينة والأخرى إلى نرجس التي تقف صامتة وملامحها شاحبة على غير عادتها. لم تكن تبكي لكنها أيضا لم تبتسم. كانت تحدق في أركان البيت وكأنها تودع شيئا لا يعرفه سواها.
جميلة بصوت دافئ
يا رب ترجعينا سالمين مغفور لنا ونكون من المقبولين.
نرجس تتمتم دون أن تنظر
آه... مقبولين... كل واحد ونيته.
في المطار وبين الزحام والتكبيرات التي تملأ الصالات كانت نرجس تخفي في حقيبتها الصغيرة شيئا ملفوفا في قماش أسود وعينها تراقب جميلة حين تبتسم للسيدة المسنة التي تجلس بجانبها.
كان في قلب نرجس غليان وفي يدها خطة وفي نيتها شړ.
السفر مر كالحلم طائرات تقلع وسماء تتبدل وصمت طويل يملأ العيون بالتأمل أو بالتخطيط.
وحين نزلوا في مطار جدة كان هواء الحجاز مختلفا كأنه يحمل عبق أنفاس آلاف الحجاج السابقين.
وفي الحافلة المتجهة إلى مكة جلست نرجس بجوار النافذة وعيناها متصلبتان نحو الأفق ويدها تقبض على حقيبتها بقوة.
أما جميلة فكانت تسبح تتأمل الجبال التي بدأت تلوح في الأفق وتتمتم بأدعية لم تعلم أنها تدعو بها على نفسها... أو لعلها دعوات ستحميها مما يحاك لها.
وحين نادى السائق فجأة اقتربنا من الحرم!
انطلقت الصرخات بالتكبير وزغردت النساء وبكت جميلة بحړقة وهي تقول
اللهم لك الحمد دعيتني فاستجبت فيا رب لا تردني.
أما نرجس... فكانت تتظاهر بالبكاء لكنها لم تبك. كان قلبها منشغلا بشيء واحد
الطريق إلى جبل عرفات... حيث ستدفن البراءة وتزرع بذور السحر.
وجاء الميعاد الذي تنتظره نرجس
كانت الشمس
على امتداد الوادي كانت