عاشت أم سورية جوه عربية قديمة مع طفلين لحد ما وصلت المكسيك وهناك بس فهمت يعني إيه إنسانية بجد. سميرة كانت من 3 سنين بس ست طبيعية في حلب. بيت ريحته ياسمين ضحكة عيال وسفرة ما كانتش بتفضى. بس الحرب ما بتسيبش حاجة واقفة. القنابل سكتت المدينة وكل اللي فاضل في إيد سميرة كان غريزة الأمومة وطفليها عمر ست سنين وليلى أصغر منه. لمت فلوسها في بطانة معطفها والخوف كان محروق في صدرها وطلعت في رحلة هروب من الرصاص لرحلة أقسى اللامبالاة. كانت فاكرة إن في بلاد اسمها حقوق الإنسان. بس اللي شافته كان حدود أوراق ضباط باصين لها كأنها عبء. فلوسها خلصت على تصاريح ما اتنفذتش. شنطها ضاعت. كرامتها
اتكسرت. وفي الآخر بقت من غير سقف. آخر حاجة باعتها كانت مجوهراتها واشترت عربية سيدان قديمة. العربية بقت بيتهم مطبخهم وحصنهم الوحيد. ليلها كان برد ونهارها جوع. وعمر كل يوم يسأل ليه محدش بيساعدنا يا ماما وسميرة تبتسم غصب عنها وبطنها بتوجع. لما الفلوس خلصت خالص بقت تدي العيال مية بسكر عشان يناموا. وهي تسهر إيدها على باب العربية مستعدة لأي خطر. وبعدها ليلى سخنت. حمى مولعة نفس مكتوم ووش شاحب. جريت بيها على كلينيك. قالولها ببرود مافيش تأمين مافيش علاج. في الليلة دي حضنت سميرة عيالها في الكنبة الخلفية وحست لأول مرة إنها خلاص انهزمت. قالولها المكسيك خطيرة. مكان مالوش أمان. بس
وهي باصة على بنتها بتولع وابنها ساكت من الجوع فهمت إن مافيش أسوأ من اللي هي فيه. شغلت العربية اللي بتكح دخان وعدت الكوبري مش داخلة حلم داخلة على أمل أخير. دخلت حي شعبي في المكسيك وركنت على جنب. ناس رايحة جاية أكل ضحك موسيقى. قرب منها شوية رجالة باين عليهم شغل. قلبها وقف. حضنت عيالها مستعدة لأي أذى. واحد خبط على الإزاز بخفة إنت كويسة البنت شكلها تعبان. ما صدقتش. افتكرت ده خداع. الراجل مشي ورجع بكيس أكل ومشروب. قال خدي للعيال ما تخافيش. وسابهم ومشي. بعدها بدقايق ست كبيرة جت شافت ليلى صرخت دي سخنة! في أقل من ساعة الحي كله اتحرك. واحد جاب دكتور واحدة جابت بطانية وواحدة فتحت
بيتها. الدكتور كشف على ليلى قال الحمى من الجوع والتعب بس لسه في وقت. ليلى نامت لأول مرة من أيام شبعانة ودافية. سميرة قعدت على الأرض وعيطت مش من الخوف من الصدمة. قالت في نفسها قضيت عمري أهرب ناحية الشمال وطلعت الرحمة في الجنوب. بعد أيام واحدة من الستات ساعدتها تشتغل. العيال دخلوا مدرسة قريبة. العربية بقت ذكرى. سميرة ما رجعتش غنية. بس رجعت أم واقفة على رجليها. وفهمت الحقيقة اللي محدش قالها لها مش كل اللي عنده حدود عنده قلب ومش كل اللي بيتكلم عن الإنسانية بيطبقها. وأحيانا النجاة ما بتبقاش ورا علم بتبقى في إيد إنسان بسيط قالك من غير مقابل ما تخافيش إنت في أمان.