باع كل اللي يملكه عشان يعلّم بناته… وبعد 19 سنة خدوه لمكان ما كانش بيشوفه غير في أحلامه عم نِستور كان راجل بسيط، أرمل، عايش في قرية صغيرة. مراته ماتت وهي بتولد، وسابته مع بنتين توأم: كارا وميا. من اليوم الأول، قرر إن البنات دول هما حياته كلها. الدنيا ما كانتش سهلة، ولا الفلوس كانت مكفّية، بس حلمه كان واحد: “بناتي يتعلموا ويبقوا أحسن مني.” لما دخلوا الجامعة، باع الجاموسة الوحيدة اللي كانت بتأكّلهم. بعدها باع التروسيكل اللي كان شغال عليه. ولما احتاجوا فلوس أكتر
للمصاريف والامتحانات في القاهرة، باع الأرض والبيت… كل اللي ورثه من أهله. كارا يومها عيطت وقالت: «يا بابا حرام عليك، إحنا نسيب التعليم وخلاص». بصلها نِستور بعين مليانة تعب وقال: «لأ… إنتوا هتبقوا دكاترة. حتى لو أنا نمت في الشارع». ومن اليوم ده، حياته اتغيّرت. اشتغل عامل بناء، وعتّال في السوق. عاش في عِشة صغيرة من صاج مكسّر. كان بياكل عيش وملح أيام كتير، بس كل مرتبه كان بيبعته للبنات. عدّت السنين… التوأم اتخرجوا، وبقوا دكاترة، وسافروا يشتغلوا برّه. ونِستور كبر…
بقى عنده 65 سنة، ركبه وجعاه، عينه ضعفت، وضهره اتحنى. سنين ما شافش بناته، بس الفلوس كانت بتوصله كل شهر. كان دايمًا يقول لنفسه: «يمكن نسيوْني… بس مش مهم. أهم حاجة إنهم مرتاحين». وفي يوم، وهو بينضف قدام العِشة، وقفوا قدامه عربيتين سودا فخمة. نزل منهم بنتين… نفس الملامح… نفس الضحكة. قلعوا النضارات، وجريوا عليه. «بابااااا!» نِستور وقع على الكرسي من الصدمة. دموعه نزلت وهو بيقول: «كارا؟ ميا؟ بجد ولا بحلم؟» قالوله: «إحنا جايين ناخدك معانا». ركّبوه العربية، وهو
مش فاهم حاجة. سافروا ساعات… لحد ما وصلوا لمكان أخضر واسع. قصر كبير، جنينة، وسماء مفتوحة. قالوله: «ده بيتك… معمول باسمك». «والمكان ده؟» «ده المكان اللي كنت دايمًا تقول إنك نفسك تعيش فيه… وإنت نايم على الصاج». نِستور عيّط زي الطفل. قال بصوت مكسور: «أنا عمري ما حلمت غير إنكم تبقوا كويسين…» ردوا عليه: «وإحنا عمرنا ما نسينا اللي عملته علشانّا». قعد نِستور في الجنينة، لأول مرة حاسس إن تعبه ما راحش هدر. يمكن خسر كل حاجة… بس كسب بناته، وكسب نهاية ما كانش يحلم بيها."