مفاجأة من الخارج امرأة تصل بالهدايا لكن ما رأته في المنزل غير رأيها بعد خمسة عشر عاما من العيش في الخارج عدت لأفاجئ ابنتي. لكن عندما دخلت المنزل رأيتها جاثية على ركبتيها تنظف الأرض. كانت هناك كدمات على ذراعيها وعلى مئزرها المتسخ كتب خادمة عائلة ستروجانوف. خمسة عشر عاما. عاما وثلاثة أشهر وستة أيام. لم أحسبها بدافع الحزن بل كمحاسب ينهي تقريره السنوي. كان كل يوم بندا في دفتر الحسابات من بنود نفقات حياتي لغرض وحيد هو الدخل مستقبل ابنتي. عندما لامست عجلات الطائرة أرضية المطار الإسمنتية الرطبة أشعر بالإثارة برضا عميق وهادئ. كما لو أن مشروعا معقدا ومرهقا قد اكتمل أخيرا. السيد دوبوا رب عملي الملياردير بكل غرائبه ونوبات هلعه الثالثة فجرا ومطالبه المفاجئة بإحضار زهرة أوركيد نادرة الإكوادور للعشاء أصبح الماضي شاليهه الأنيق على ضفاف بحيرة جنيف. انتهى عملي. أديت واجبي. فككت حزام الأمان وارتجفت قليلا. يكن توترا ترقبا. لخمسة عاما كنت أدير حياة شخص آخر ومنزله
وأمواله. والآن أعود لأعيش ببساطة. بجوار يولينكا. بعد برودة جبال الألب الصافية بدا هواء العاصمة كثيفا ورطبا تفوح منه رائحة الثلج الذائب والبنزين. مألوفة دافئة. أخبر أحدا بوصولي. أردت أرى وجهها. تلك البهجة ذلك الذهول الطفولي الذي أره أرض الواقع منذ زمن طويل تخيلته فقط وأنا أعيد قراءة رسائلها القصيرة المتحفظة بعض الشيء أمي شيء ما يرام معنا. أوليغ يعتني بي عناية فائقة. نعيش منزل كبير وجميل خارج المدينة. ستكونين سعيدة لأجلنا. وكنت بالفعل. كانت رسالة هذا القبيل بمثابة عذر ليالي الأرق ولإجازاتي الضائعة ولأعياد ميلادها التي أستطع فيها سوى إرسال المال والهدايا عبر البريد. فاتني حفل تخرجها الجامعة وزفافها. أر زوجها أوليغ إلا الصور طويل القامة واثق نفسه مرموقة. ستروغانوف. الاسم محترما أرستقراطيا. هي الحياة أردتها لها بالضبط. مستقرة آمنة أعشها قط. صفر سائق التاكسي رجل منتصف العمر بعيون متعبة أعطيته العنوان. يا إلهي كونستانتينوفنا. لقد دخلت صدفة إلى سوسنوفي
دالي. إنه مكان جاد. اكتفيت بابتسامة مهذبة ردا ذلك. أجل جاد. ابنتي تستحق جاد أفضل. وبينما سيارة الأجرة تشق طريقها الشوارع الواسعة ثم تنعطف الطرق الضيقة حي راق تخيلتها. ربما اكتسبت الوزن نتيجة لحياة أسرية سعيدة. كانوا ينتظرون مولودا غمرتني هذه الفكرة بدفء صدري. سأصبح جدة. سأتمشى مع عربة الأطفال الأزقة المعتنى بها جيدا بين القصور الفخمة وأعوض كل السنوات الضائعة. توقفت السيارة أمام بوابات حديدية مزخرفة يبلغ ارتفاعها ثلاثة أضعاف طول الرجل. خلفها منزل ضخم مبني الحجر الفاتح بسقف داكن ونوافذ كثيرة. ضخما فحسب مهيبا. حصن لا عشا عائليا. قال التاكسي هناك حاجز الخلف لن يسمحوا لك بالدخول. عليك قرع الجرس لفتحه. دفعت وخرجت وشعرت بنظراته الفضولية تلاحقني. ظنني خادمة العمل. ملابس أنيقة لكنها محتشمة معطف رسمي حقيبة سفر جلدية فاخرة بعجلات زي العاملين مجالي. اقتربت البوابة المجاورة للمدخل وقرعت الجرس. رنينه العذب وكأنه يتردد أرجاء الحي ثم تلاشى. انتظرت. دقيقة. دقيقتان.
صمت. يسمع حفيف الريح أغصان الأشجار العارية. غريب. يوليانا تعلم أنني أستطيع أي وقت. قرعته مرة أخرى. صمت مجددا. انتابني شعور طفيف بالقلق. حاولت فتح مقبض البوابة. مغلقا. أمر غريب آخر. بيوت كهذه شيء مغلق بسبعة أقفال. الباب الثقيل وسرت الممر الحجري الأمامي. ضخما أيضا مصنوعا الخشب الداكن بمقبض نحاسي لامع. وكان مواربا قليلا بالكاد يرى. تسرب البرد والصمت خلال الفتحة. بدأ القلق يتزايد. تركت حقيبتي الشرفة ودفعت بحذر. يوليا صوتي خافتا مترددا. انفتح بهدوء ودخلت قاعة فسيحة الصدى. أرضيات الرخام الأبيض وسقف شاهق يرتفع الطابق الثاني ودرج حلزوني عريض يليق بقصور. الهواء باردا ورائحته نفاذة كرائحة مواد كيميائية مثل مزيج التلميع والمبيض. المنزل صامتا. صوت كلام موسيقى. يوليا أنا أمي! ناديت بصوت أعلى فتردد صدى كلمة أمي المكان تلاشى صوتها قرب السقف. رأيتها. نهاية الردهة عند أسفل الدرج امرأة جاثية ركبتيها ظهرها لي وعليها شيء الكبريت عديم الشكل.
احمد الشيخ