كان الحجاج بن يوسف الثقفي والي العراق المرهوب يملك لسانا سيفا وسلطة مطلقة. وفي إحدى الجلسات التي تفوح منها رائحة الكبرياء والبطش دخل عليه الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم. بمجرد أن وقعت عينا الحجاج على أنس استشاط غضبا وراح يكيل له التهم بكلمات قاسية محاولا النيل من مكانته إيه يا أنيس! يوم لك مع علي ويوم ابن الزبير الأشعث! والله لاستأصلنك كما تستأصل الشأفة ولأدمغنك تدمغ الصمغة ولأعصبنك عصبة السنمة! لقد كانت تهديدات بالقتل والتعذيب لا لبس فيها. نظر أنس بن مالك في تعجب ظنا منه أن الحجاج لم يقصده إياي... يعني الأمير أصلحه الله فرد بوقاحة وجفاء إياك صك الله
سمعك! شعر بالغربة والظلم زمن تغيرت فيه الأقدار. تمتم بكلمات المؤمن المكلوم إنا لله وإنا إليه راجعون! لولا الصبية الصغار ما باليت أي قتلة قتلت ولا ميتة مت! يجد أنس خادم النبي ثماني سنوات مفرا من اللجوء إلى أعلى سلطة. خرج فورا وكتب عبد الملك مروان أمير المؤمنين دمشق. شكوى المظلوم تصل الخليفة أرسل كتابا مختصرا وقويا ذكر مكانته وشكواه أما بعد فإن قال لي هجرا وأسمعني نكرا ولم أكن لذلك أهلا. فخذ على يديه فإني أمت بخدمتي لرسول صلى عليه وسلم وصحبتي إياه. وصلت رسالة مروان فما كان إلا غضب غضبا شديدا لحرمة مقام الصحبة والخدمة النبوية. استدعى صديق المقرب إسماعيل أبي المهاجر وأعطاه كتابين أحدهما لأنس تطمينا
والآخر تهديدا. وقال له انطلق العراق وابدأ بأنس رسول وسلم وأبلغه سلامي وقل له إنني كتبت الملعون لو قرأه أطوع أمتك! الطمأنينة لأنس وصل أولا وقرأ كتاب المؤمنين الذي أكد أنه يأمر بالإساءة إليه ووعده بأن عاد لمثلها فسينزل به العقوبة. فتهلل وجه وقال جزاه عني خيرا فقد هذا هو ظني ورجائي منه. انطلق الكوفة ودخل الحجاج رحب به لكن ملامحه عندما علم بما جاء فيه. استوى جلسته وهو يفتح الخليفة وراح يقرؤه بعرق يتصبب جبينه. قاصمة تهز عرش الطاغية فيها بعد فإنك عبد طمت بك الأمور فسموت فيها وعدوت طورك وجاوزت قدرك وركبت داهية إدا عظيمة... فلعنك عبد أخفش العينين منقوص الجاعرتين ذميم قبيح! أنسيت مكاسب آبائك بالطائف.
.. المستفرية بعجم الزبيب! لأغمرنك غمر الليث الثعلب... وثبت رجل أصحاب بين أظهرنا... اليهود والنصارى رأت رجلا خدم عزير عزرة وعيسى مريم لعظمته وشرفته وأكرمته فكيف وهذا سنين! فإذا قرأت كتابي فكن خفه ونعله! وإلا أتاك مني سهم بكل حتف قاض... وسوف تعلمون! أنهى قراءة الكتاب ارتعدت فرائضه خوفا الخليفة. أدرك مكانة أقوى سلطة الوالي. توجه الفور مالك مخاطبا إياه بأحب الألقاب وهي الكنية التي يناديه بها يا أبا حمزة! راح يتذلل ويسترضي ويطلب العفو والسماح حتى تمت المصالحة وعاد الحق والإنصاف لصاحب وسلم. هذه القصة دليلا ساطعا عظم الصحابة قلوب المسلمين وأن شرف خدمة حصنا منيعا أمام أعظم طغاة زمانهم. احمد