عامل النظافة بقلم المبدعه احمد الشيخ
منذ صغري عرفت معنى المشقة. بينما كان الأطفال الآخرون يلعبون بألعابهم الجديدة ويتناولون طعامهم في مطاعم الوجبات السريعة كنت أنتظر خارج أكشاك الطعام الصغيرة على أمل أن يسلمني أصحابها بقايا طعامهم. أحيانا كانوا يفعلون وأحيانا لا يفعلون. كانت والدتي روزا تستيقظ قبل شروق الشمس. كل صباح في الثالثة فجرا كانت تغادر كوخنا الصغير على ضفاف النهر مرتدية قفازاتها الباهتة ووشاحا ممزقا حول رأسها. كانت تدفع عربتها الخشبية على الطريق الموحل تجمع الزجاجات البلاستيكية والكرتون وأي خردة يمكنها بيعها. عندما استيقظت للذهاب إلى المدرسة كانت أمي قد قطعت أشواطا طويلة تنقب في نفايات الآخرين لتبقيني على قيد الحياة.
لا يوجد وصف بالصور.
لم يكن لدينا الكثير ولا حتى سرير خاص بنا. درست على ضوء الشموع جالسا على صندوق بلاستيكي قديم بينما كانت أمي تعد النقود على الأرض. ولكن حتى في جوعنا وإرهاقنا كانت تبتسم دائما. كانت تقول اجتهد يا بني ربما يوما ما لن تلمس القمامة مرة أخرى.
قسوة الأطفال
عندما بدأت المدرسة تعلمت أن الفقر لا يقتصر على البطون الخاوية بل
كان زملائي في الصف ينحدرون من عائلات أفضل. كان آباؤهم يرتدون البدلات ويقودون السيارات ويحملون هواتف باهظة الثمن. أما أنا فكانت تفوح من هاتفي رائحة مكب النفايات.
في المرة الأولى التي ناداني فيها أحدهم بفتى القمامة ضحكت.
وفي المرة الثانية بكيت.
وفي المرة الثالثة توقفت عن التحدث مع أي شخص على الإطلاق.
ضحكوا على حذائي الممزق وزيي المدرسي المرقع ورائحتي بعد مساعدة أمي في فرز الزجاجات ليلا. لم يروا الحب وراء يدي الملطختين بالتراب. لم يروا سوى التراب.
حاولت إخفاء هويتي. كذبت بشأن عمل أمي. قلت إنها تعمل في إعادة التدوير محاولة أن أجعلها تبدو أكثر فخامة. لكن الحقيقة كانت دائما تجد طريقها للظهور فالأطفال قساة هكذا.
المعلمة التي رأتني
في أحد الأيام طلبت معلمتي السيدة رييس من جميع الصف كتابة مقال بعنوان بطلي.
عندما جاء دوري لقراءة مقالي تجمدت في مكاني. كتب الطلاب الآخرون عن نجوم السينما والسياسيين والرياضيين. لم أرد أن أقول كلمتي بصوت عال.
ابتسمت السيدة رييس بلطف.
قالت ميغيل تفضل.
فأخذت نفسا عميقا وقلت
بطلتي هي
ساد الصمت الفصل. حتى أولئك الذين كانوا يسخرون مني كانوا ينظرون إلى طاولاتهم. ولأول مرة لم أشعر بالضآلة.
بعد انتهاء الحصة أخذتني السيدة رييس جانبا.
قالت لي لا تخجل أبدا من أصلك لأن بعضا من أجمل الأشياء في هذا العالم تأتي من القمامة.
لم أفهمها تماما حينها لكن تلك الكلمات أصبحت مرجعي.
ربما صورة لشخص واحد أو أكثر ونص يقول جامعة سالامانكا الرومانسية
الطريق إلى التخرج
مرت سنوات. واصلت أمي العمل وواصلت الدراسة. كل يوم كنت أحمل شيئين في حقيبتي كتبي وصورة لها وهي تدفع عربة القمامة. ذكرني ذلك لماذا لا أستطيع الاستسلام.
درست بجد أكثر من أي شخص آخر أعرفه. كنت أستيقظ الساعة الرابعة فجرا لأساعدها قبل المدرسة وأسهر حتى وقت متأخر أحفظ المعادلات والمقالات على ضوء الشموع.
عندما رسبت في امتحان الرياضيات عانقتني وقالت
يمكنك الرسوب اليوم. فقط لا ترسبوا غدا.
لم أنس ذلك أبدا.
عندما قبلت في الجامعة الحكومية كدت لا أذهب لم نكن نستطيع تحمل الرسوم. لكن والدتي باعت عربتها مصدر دخلها الوحيد
قالت حان الوقت لتتوقفي عن دفع القمامة. حان الوقت لتبدأي بدفع نفسك.
في ذلك اليوم وعدتها بأنني سأجعل الأمر يستحق العناء.
يوم التخرج
بعد أربع سنوات وقفت على خشبة مسرح جامعتنا مرتدية ثوبا لم يكن يناسبني تماما وحذاء مستعارا من صديقة. بدا التصفيق بعيدا ما سمعته بوضوح هو خفقان قلبي.
في الصف الأمامي جلست أمي. كانت قفازاتها نظيفة لأول مرة. استعارت فستانا أبيض بسيطا من جارتنا وعيناها تلمعان.
عندما نودي باسمي ميغيل رييس بكالوريوس تربية بامتياز ضجت القاعة بالتصفيق. زملائي في الصف نفسهم الذين سخروا مني سابقا نظروا إلي الآن نظرة مختلفة. حتى أن بعضهم وقف.
أفضل متاجر الملابس
تقدمت نحو الميكروفون لألقي كلمة الطالب. ارتجفت يداي. شعرت بالفراغ في الخطاب الذي أعددته. بدلا من ذلك نظرت إلى أمي وقلت فقط
لقد ضحكت مني لأن أمي تجمع القمامة. لكنني اليوم هنا لأنها علمتني كيف أحول القمامة إلى ذهب.
ثم التفت إليها.
ماما هذه الشهادة لك.
ساد الصمت القاعة. ثم واحدا تلو الآخر بدأ الناس يصفقون ليس تصفيقا مهذبا بل تصفيقا نابعا من
أمي